الغزالي
73
إحياء علوم الدين
بهذا المسلم بعينه ، وإن بعض الظن إثم . وهذا المسلم يستحق بإسلامه عليك أن لا تسيء الظن به . فإن أسأت الظن به في عينه لأنك رأيت فسادا من غيره ، فقد جنيت عليه . وأثمت به في الحال نقدا من غير شك . ولو أخذت المال لكان كونه حراما مشكوكا فيه ويدل عليه أنا نعلم أن الصحابة رضي الله عنهم في غزواتهم وأسفارهم ، كانوا ينزلون في القرى ، ولا يردون القرى . ويدخلون البلاد ، ولا يحترزون من الأسواق . وكان الحرام أيضا موجودا في زمانهم ، وما نقل عنهم سؤال إلا عن ريبة ، إذ كان صلَّى الله عليه وسلم لا يسأل عن كل ما يحمل إليه ، بل سأل في أول قدومه إلى المدينة [ 1 ] عما يحمل إليه ، أصدقة أم هدية ، لأن قرينة الحال تدل ، وهو دخول المهاجرين المدينة وهم فقراء ، فغلب على الظن أن ما يحمل إليهم بطريق الصدقة ، ثم إسلام المعطى ويده لا يدلان على أنه ليس بصدقة . [ 2 ] وكان يدعى إلى الضيافات فيجيب ، ولا يسأل أصدقة أم لا ، إذ العادة ما جرت بالتصدق بالضيافة . ولذلك [ 3 ] دعته أم سليم ، [ 4 ] ودعاه الخياط كما في الحديث الذي رواه أنس بن مالك رضي الله عنه ، وقدم إليه طعاما فيه قرع . [ 5 ] ودعاه الرجل الفارسي ، فقال عليه السلام أنا وعائشة فقال لا ، فقال فلا ، ثم أجابه بعد ، فذهب هو وعائشة يتساوقان ، فقرب إليهما إهالة ، ولم ينقل السؤال في شيء من ذلك وسأل أبو بكر رضي الله عنه عبده عن كسبه لما رابه من أمره . وسأل عمر رضي الله عنه الذي سقاه من لبن إبل الصدقة إذ رابه ، وكان أعجبه طعمه ، ولم يكن على ما كان يألفه كل مرة